المقدمة
في "بصيرة طبية"، نفتح ملف عرق السوس (Licorice – Glycyrrhiza glabra) – وهو نبات يستخدم منذ آلاف السنين في الطب التقليدي (الصيني، المصري، اليوناني) لعلاج السعال، والتهاب الحلق، وعسر الهضم، والقرحة الهضمية. جذر عرق السوس يحتوي على جليسيرهيزين (Glycyrrhizin) – وهو مركب أحلى 50 مرة من السكر، وله خصائص مضادة للالتهاب (مشابهة للكورتيزون). ولكن: الجليسيرهيزين (Glycyrrhizin) يثبط إنزيم 11-بيتا هيدروكسي ستيرويد ديهيدروجينيز (11-beta-hydroxysteroid dehydrogenase – 11β-HSD) – وهو الإنزيم الذي يحول الكورتيزول (Cortisol) (هرمون التوتر) إلى كورتيزون (Cortisone) (غير نشط). يؤدي هذا إلى زيادة الكورتيزول في الكلى، مما يحاكي متلازمة كون (Conn's syndrome – فرط الألدوستيرونية – Hyperaldosteronism) – احتباس الصوديوم (Sodium) والماء، فقدان البوتاسيوم (Potassium) (في البول)، وارتفاع ضغط الدم (Hypertension). الأعراض (الاستهلاك الزائد >50-100 جرام من عرق السوس يومياً (أو 500-1000 مجم من الجليسيرهيزين) لمدة 2-4 أسابيع): الصداع، التعب، ضعف العضلات (تشنجات)، تورم الساقين (وذمة – Edema)، ارتفاع ضغط الدم (قد يصل إلى 200/120 ملم زئبق)، انخفاض البوتاسيوم (Hypokalemia) (ضعف عضلي، عدم انتظام ضربات القلب (Arrhythmia)، توقف القلب (Cardiac arrest)). العلاج: إيقاف عرق السوس، إعطاء مدرات البول الموفرة للبوتاسيوم (سبيرونولاكتون – Spironolactone) (يمنع مستقبلات الألدوستيرون – Aldosterone receptors)، ومكملات البوتاسيوم (إذا كان نقص البوتاسيوم شديداً).
كيف يرفع عرق السوس ضغط الدم ويخفض البوتاسيوم
الآلية (تثبيط 11β-HSD):
عادةً، يقوم إنزيم 11β-HSD في الكلى بتحويل الكورتيزول (Cortisol) (نشط) إلى كورتيزون (Cortisone) (غير نشط). هذا يمنع الكورتيزول من الارتباط بمستقبلات القشرانيات المعدنية (Mineralocorticoid receptors) (التي تتحكم في امتصاص الصوديوم وإفراز البوتاسيوم).
جليسيرهيزين (Glycyrrhizin) يثبط 11β-HSD → يبقى الكورتيزول نشطاً في الكلى.
يرتبط الكورتيزول بمستقبلات القشرانيات المعدنية (Mineralocorticoid receptors) (مشابهاً للألدوستيرون – Aldosterone) → يزيد امتصاص الصوديوم والماء (يزيد حجم الدم) → ارتفاع ضغط الدم (Hypertension).
يزيد إفراز البوتاسيوم في البول → نقص البوتاسيوم (Hypokalemia).
كمية عرق السوس الآمنة (التي لا تسبب ارتفاع ضغط الدم):
جذر عرق السوس الطبيعي (غير منزوع الجليسيرهيزين): <50 جرام يومياً (≈ 2-3 قطع من الحلوى) – آمن للاستخدام قصير المدى (<2 أسابيع).
حلوى عرق السوس (التي تحتوي على جليسيرهيزين): 2-3 قطع يومياً (آمنة). 5-10 قطع يومياً لمدة أسبوعين قد تسبب ارتفاع ضغط الدم.
شاي عرق السوس (كيس واحد (2 جرام) لكل كوب): 1-2 كوب يومياً (آمن). 4-5 أكواب يومياً لمدة أسبوعين قد تسبب ارتفاع ضغط الدم.
مستخلص عرق السوس (المكملات الغذائية): تجنبها (الجرعة غير منظمة – قد تحتوي على كميات عالية من الجليسيرهيزين).
من يجب أن يتجنب عرق السوس تماماً (حتى بكميات صغيرة):
مرضى ارتفاع ضغط الدم (Hypertension): حتى قطعة صغيرة قد ترفع ضغط الدم (خاصة إذا كنت تتناول أدوية ضغط الدم (مثبطات ACE، ARBs، حاصرات قنوات الكالسيوم، مدرات البول)).
مرضى قصور القلب (Heart failure): احتباس السوائل (وذمة – Edema) قد يزيد من ضيق التنفس.
مرضى الفشل الكلوي (Kidney failure): لا يستطيعون التخلص من البوتاسيوم الزائد (نقص البوتاسيوم – Hypokalemia خطير).
مرضى عدم انتظام ضربات القلب (Arrhythmias – الرجفان الأذيني – Atrial fibrillation، تسرع القلب البطيني – Ventricular tachycardia): نقص البوتاسيوم (Hypokalemia) قد يزيد من عدم انتظام ضربات القلب.
الحوامل (Pregnant women): قد يزيد من خطر الولادة المبكرة (Premature birth) (عن طريق تحفيز الرحم). تجنبي الجرعات العالية (>50 جرام يومياً).
الأطفال (<12 سنة): الكلى غير ناضجة (قد يسبب نقص بوتاسيوم شديد).
خطوات عملية مفصلة للتعامل مع التسمم بعرق السوس
الخطوة 1: التعرف على الأعراض (علامات وأعراض الجرعة الزائدة)
الأعراض المبكرة (بعد 1-2 أسبوع من الاستهلاك الزائد):
الصداع (Headache)
التعب (Fatigue)
ضعف العضلات (Muscle weakness) (خاصة في الساقين)
تشنجات عضلية (Muscle cramps) (خاصة في الليل)
العطش (Thirst)
كثرة التبول (Polyuria) (ليلاً – Nocturia)
الأعراض المتأخرة (بعد 2-4 أسابيع):
ارتفاع ضغط الدم (Hypertension) (قد يصل إلى 200/120 ملم زئبق – أزمة ارتفاع ضغط الدم – Hypertensive crisis)
تورم الساقين (Edema) (وذمة – بسبب احتباس الصوديوم والماء)
عدم انتظام ضربات القلب (Arrhythmia) (خفقان – Palpitations، بطء النبض – Bradycardia، تسرع القلب البطيني – Ventricular tachycardia)
شلل عضلي (Muscle paralysis) (نقص البوتاسيوم الشديد)
الخطوة 2: التشخيص (الاختبارات المعملية)
البوتاسيوم (Potassium – K): منخفض (<3.5 ميكرو مكافئ/لتر). إذا كان <2.5، فهو شديد (يحتاج إلى دخول المستشفى).
الصوديوم (Sodium – Na): طبيعي أو مرتفع قليلاً.
الكرياتينين (Creatinine): طبيعي (إذا كانت الكلى سليمة).
الألدوستيرون (Aldosterone): منخفض (قمع – Suppressed) (لأن الكورتيزول يحاكي الألدوستيرون).
الرينين (Renin): منخفض (قمع – Suppressed).
الخطوة 3: العلاج
أوقف عرق السوس فوراً. ستبدأ الأعراض في التحسن خلال 3-7 أيام (سيعود ضغط الدم إلى طبيعته، وسيعود البوتاسيوم إلى طبيعته).
إذا كان نقص البوتاسيوم شديداً (K <2.5) مع أعراض (شلل عضلي، عدم انتظام ضربات القلب): يحتاج إلى دخول المستشفى. أعطِ بوتاسيوم وريدياً (KCl) (20-40 ميكرو مكافئ/ساعة) تحت مراقبة تخطيط القلب (ECG).
إذا كان ارتفاع ضغط الدم شديداً (>180/120): أعطِ سبيرونولاكتون (Spironolactone) 25-50 مجم 3 مرات يومياً (لمدة 2-4 أسابيع) – يمنع مستقبلات الألدوستيرون (ينعكس تأثير الكورتيزول). لا تستخدم مدرات البول الأخرى (مثل فوروسيميد (Furosemide)، هيدروكلوروثيازيد (HCTZ)) – تزيد من نقص البوتاسيوم.
إذا كان نقص البوتاسيوم خفيفاً (3.0-3.5): أعطِ مكملات البوتاسيوم الفموية (K-Dur 20-40 ميكرو مكافئ/يوم) لمدة 1-2 أسابيع.
الأخطاء الشائعة (لماذا يعاني الناس من ارتفاع ضغط الدم بسبب عرق السوس)
الخطأ الأول: الاعتقاد بأن "عرق السوس الطبيعي (غير المحلى) آمن (لأنه ليس مادة كيميائية)". الجليسيرهيزين (Glycyrrhizin) هو مركب كيميائي طبيعي، ويمكن أن يسبب ارتفاع ضغط الدم (مثل أي دواء). لا تتناول كميات كبيرة.
الخطأ الثاني: تناول عرق السوس مع أدوية الضغط (مثبطات ACE، ARBs، حاصرات قنوات الكالسيوم). عرق السوس يرفع ضغط الدم، بينما الأدوية تخفضه. قد يعاني المريض من تقلبات ضغط الدم (ارتفاع متقطع). قد يظن الطبيب أن الأدوية غير فعالة (ويزيد الجرعة)، بينما السبب هو عرق السوس. أخبر طبيبك إذا كنت تتناول عرق السوس بانتظام.
الخطأ الثالث: الاعتقاد بأن "حلوى عرق السوس الخالية من السكر (Sugar-free) آمنة". حلوى عرق السوس الخالية من السكر لا تزال تحتوي على الجليسيرهيزين (Glycyrrhizin) (الموجود في جذر عرق السوس). نفس الخطر.
الخطأ الرابع: تناول شاي عرق السوس يومياً (لعلاج الإمساك أو التهاب الحلق) لمدة شهور. هذا قد يسبب نقص بوتاسيوم مزمن (Hypokalemia) (ضعف عضلي، تعب، تشنجات). لا تشرب شاي عرق السوس لأكثر من أسبوعين متتاليين.
الخطأ الخامس: إخفاء تناول عرق السوس عن الطبيب (لأنه "عشبة طبيعية" وليس دواء). هذا خطير (قد يخطئ الطبيب في تشخيص ارتفاع ضغط الدم ويصف لك أدوية قوية غير ضرورية). أخبر طبيبك عن جميع المكملات العشبية التي تتناولها.
الأسئلة الشائعة
س: هل عرق السوس الخالي من الجليسيرهيزين (Deglycyrrhizinated licorice – DGL) آمن؟
ج: نعم، عرق السوس الخالي من الجليسيرهيزين (DGL) تم إزالة الجليسيرهيزين (Glycyrrhizin) منه (بنسبة 98%). لا يسبب ارتفاع ضغط الدم أو نقص البوتاسيوم. يستخدم DGL لعلاج قرحة المعدة (Gastric ulcer) (عن طريق تكوين طبقة واقية على الغشاء المخاطي للمعدة). متوفر على شكل أقراص مضغ (Chewable tablets) (380-760 مجم قبل الوجبات). لا يحتوي على الجليسيرهيزين (Glycyrrhizin)، لذلك لا داعي للقلق بشأن ارتفاع ضغط الدم.
س: هل يمكن أن يسبب عرق السوس العجز الجنسي (ضعف الانتصاب)؟
ج: نادراً، إذا كان ارتفاع ضغط الدم شديداً (Hypertension) أو نقص البوتاسيوم شديداً (Hypokalemia) – يؤثر على تدفق الدم إلى القضيب. بمجرد توقف عرق السوس، يعود ضغط الدم والبوتاسيوم إلى طبيعتهما، ويعود الانتصاب إلى طبيعته.
س: كم من الوقت يستغرق عرق السوس لخفض ضغط الدم بعد التوقف؟
ج: يبدأ ضغط الدم في الانخفاض خلال 3-7 أيام من التوقف عن عرق السوس (نصف عمر الجليسيرهيزين (Glycyrrhizin) هو 1-2 أسبوع). يعود ضغط الدم إلى طبيعته (خط الأساس) خلال 2-4 أسابيع. إذا استمر ارتفاع ضغط الدم بعد 4 أسابيع من التوقف، فقد يكون لديك ارتفاع ضغط الدم الأساسي (Essential hypertension) – استشر طبيبك.
س: هل يمكن أن يتفاعل عرق السوس مع حبوب منع الحمل (Oral contraceptives)؟
ج: قد تزيد حبوب منع الحمل (التي تحتوي على الإستروجين (Estrogen) والبروجسترون (Progesterone)) من مستوى الجليسيرهيزين (Glycyrrhizin) في الدم (عن طريق تثبيط استقلابه في الكبد). هذا قد يزيد من خطر ارتفاع ضغط الدم ونقص البوتاسيوم. إذا كنت تتناولين حبوب منع الحمل، فتجنبي الجرعات العالية من عرق السوس (>50 جرام يومياً).
س: هل يمكن استخدام عرق السوس موضعياً (على الجلد) لعلاج الأكزيما (Eczema) أو الصدفية (Psoriasis)؟
ج: نعم، كريم عرق السوس (المحتوي على الجليسيرهيزين (Glycyrrhizin) أو حمض الجليسيريتيك (Glycyrrhetinic acid)) له خصائص مضادة للالتهاب (مشابهة للكورتيزون). يمكن استخدامه لعلاج الأكزيما (Atopic dermatitis)، الصدفية (Psoriasis)، والتهاب الجلد التماسي (Contact dermatitis). ضع كمية صغيرة على المنطقة المصابة مرتين يومياً (لمدة أسبوعين). لا يمتص الجليسيرهيزين (Glycyrrhizin) عبر الجلد بكميات كبيرة، لذلك لا يسبب ارتفاع ضغط الدم.
المراجع العلمية
PubMed (NIH) – التسمم بعرق السوس (Licorice toxicity): مراجعة منهجية (2023):
👉 https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/36728934/Merck Manual (النسخة الاستهلاكية) – عرق السوس (Licorice):
👉 https://www.merckmanuals.com/home/special-subjects/dietary-supplements-and-herbal-medicine/herbal-medicinePubMed (NIH) – جليسيرهيزين (Glycyrrhizin) وارتفاع ضغط الدم: مراجعة منهجية (2022):
👉 https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/35898886/Cleveland Clinic – عرق السوس (Licorice): الفوائد والمخاطر:
👉 https://my.clevelandclinic.org/health/food-nutrition/licorice

